ابن رشد

257

تهافت التهافت

يمكث ساعة أو ساعتين وهكذا إلى جميع أحوال الكسوف وعوارضه فلا يغرب عن علمه شيء ، ولكن عليه بهذا قبل الكسوف وحالة الكسوف وبعد الانجلاء على وتيرة واحدة لا يختلف ولا يوجب تغير في ذاته . وهكذا علمه بجميع الحوادث ، فإنها إنما تحدث بأسباب وتلك الأسباب لها أسباب أخر إلى أن تنتهي إلى الحركة الدورية السماوية ، وسبب الحركة نفس السماوات وسبب تحريك النفس الشوق إلى التشبه بالله تعالى والملائكة المقربين فالكل معلوم له ، أي هو منكشف له انكشافا واحدا متناسبا لا يؤثر فيه الزمان ، ومع هذا فحالة الكسوف لا يقال أنه يعلم أن الكسوف موجود الآن ولا يعلم بعده أنه انجلى الآن وكل ما يجب في تعريفه الإضافة إلى الزمان فلا يتصور أن يعلمه لأنه يوجب التغير ، هذا فيما ينقسم بالزمان . وهكذا مذهبهم فيما ينقسم بالمادة والمكان كأشخاص الناس والحيوانات فأنهم يقولون لا يعلم عوارض زيد وعمرو وخالد وإنما يعلم الإنسان المطلق بعلم كلي ويعلم عوارضه وخواصه ، وإنه ينبغي أن يكون بدنه مركبا من أعضاء بعضها للبطش وبعضها للمشي وبعضها للإدراك وبعضها زوج وبعضها فرد ، وإن قواه ينبغي أن تكون مبثوثة في أجزائه وهلم جرا إلى كل صفة في داخل الآدمي وباطنه ، وكل ما هو من لواحقه وصفاته ولوازمه حتى لا يغرب عن علمه شيء ويعلمه كليا . فأما شخص زيد فإنما يتميز عن شخص عمرو للحس لا للعقل فإن عماد التميز إليه الإشارة إلى جهة معينة والعقل يعقل الجهة المطلقة الكلية والمكان الكلي ، فأما قولنا : هذا وهذا فهو إشارة إلى نسبة خاصة بذلك المحسوس إلى الحاس لكونه منه على قرب أو بعد أو جهة معينة ، وذلك يستحيل في حقه . ثم وهذه قاعدة اعتقدوها واستأصلوا بها الشرائع بالكلية إذ مضمونها أن زيدا مثلا لو أطاع اللّه أو عصاه لم يكن اللّه عالما بما يتجدد من أحواله ، لأنه لا يعرف زيدا بعينه فإنما شخص وأفعاله حادثة بعد أن لم تكن وإذا لم يعرف الشخص لم يعرف أحواله وأفعاله بل لا يعرف كفر زيد ولا إسلامه ، وإنما يعلم كفر الإنسان وإسلامه مطلقا كليا لا مخصوصا بالأشخاص ، بلى يلزم أن يقال تحدى محمد صلّى اللّه عليه وسلم بالنبوة وهو لا يعرف في تلك الحال أنه تحدى بها ، وكذلك الحال مع كل نبي معين وأنه إنما يعلم أن من الناس من يتحدى بالنبوة ، وأن صفة أولئك كذا وكذا ، فأما النبي المعين شخصه فلا يعرفه فإن ذلك يعرف بالحس والأحوال الصادرة منه لا يعرفها لأنها أحوال تنقسم بانقسام الزمان من شخص معين ويوجب إدراكها على اختلافها تعيرا . فهذا ما أردنا أن نذكره من نقل مذهبهم أولا ثم من تفهيمه ثانيا ثم من القبائح اللازمة عليه ثالثا . العناد : فلنذكر الآن خيالهم ووجه بطلانه وخيالهم : إن هذه الأحوال ثلاث مختلفة والمختلفات إذا تعاقبت على محل واحد وجب فيه تغير لا محالة ، فإن كان حالة الكسوف عالما بأنه سيكون كما كان قبله فهو جاهل لا عالم ، وإن كان عالما بأنه كائن وقبل ذلك كان عالما بأنه ليس بكائن وأنه سيكون فقد اختلف علمه ، واختلف حاله فلزم التغير ، إذ لا معنى